مقابر البيانات: أرقام تجمع بعناية ولا يقرؤها أحد

في نهاية كل شهر أو كل اسبوع، يجلس موظف في كل مؤسسة أمام حاسوبه ليؤدي الطقس المقدس: التقرير الأسبوعي أو الشهري. يجمع الأرقام من الشعب والأقسام، ويرتبها في جداول، ويحسب النسب، ويضيف غلافا أنيقا يحمل الشعار والتاريخ. ثم يطبع التقرير ويوقع ويصعد إلى مكتب المدير، فيوضع في ملف، والملف في رف، والرف في غرفة تضم أشقاءه من الشهور والسنوات الماضية.
ولو سألت: من قرأ تقرير الشهر الماضي؟ لساد صمت طويل. فالتقرير لم يكتب ليقرأ. التقرير كتب ليوجد.
هذه الغرفة لها اسم يستحق أن نسميه بصراحة: مقبرة بيانات. وكل مؤسسة عندنا تملك واحدة على الأقل، ورقية كانت أو مجلدات على خادم لا يفتحها أحد.

نفط لا يستخرجه أحد

قيل لنا منذ سنوات إن البيانات هي النفط الجديد، ورددت مؤسساتنا العبارة في مؤتمراتها حتى حفظناها. لكن المفارقة أن كثيرا من هذه المؤسسات يجلس فوق حقول كاملة من هذا النفط ويموت عطشا: تملك من البيانات أكثر من أي وقت مضى، وتتخذ قراراتها بالانطباع أكثر من أي وقت مضى.
القرارات الكبرى تولد في الاجتماعات من عبارات مثل: الوضع جيد عموما، والإقبال ضعيف هذه الفترة، والقسم الفلاني متعب. انطباعات مرسلة، بينما الأرقام التي تؤكدها أو تنفيها نائمة في الرف المجاور. المؤسسة تدفع كلفة جمع البيانات كاملة، ثم تتنازل عن عائدها بالكامل.

تقارير تكتب لتثبت لا لتغير

لماذا يحدث هذا؟ لأن التقرير في ثقافتنا الإدارية ليس أداة استبصار، بل وثيقة إثبات. يكتب ليثبت أن العمل قد تم، وأن القسم نشيط، وأن الموظف منجز. وظيفته أن يحمي كاتبه لا أن يكشف الواقع.
ولهذا يصاغ التقرير ليرضي قارئه المفترض لا ليصارحه. الرقم المحرج يلين تدويره، والنسبة المقلقة توضع بجوار نسبة أجمل تغطي عليها، والمشكلة تذكر في فقرة التحديات بصياغة عامة لا تتهم أحدا. وهكذا تصل إلى الإدارة العليا صورة مطمئنة دائما، حتى يأتي يوم تكتشف فيه المؤسسة أن أزمتها كانت مكتوبة في تقارير ثلاث سنوات، لكن بحروف ناعمة لا توقظ أحدا.

ثلاث نسخ للرقم الواحد

وحين تقرر الإدارة يوما أن تسأل عن رقم محدد، تبدأ مسرحية أخرى. عدد المستفيدين عند قسم كذا ألفان، وعند القسم الآخر ألفان وثلاثمئة، وعند المالية رقم ثالث لا يشبه الاثنين. كل جهة تحسب بطريقتها، وتخزن في ملفاتها الخاصة، وتحدث جداولها في توقيتها الخاص.
فيتحول الاجتماع الذي كان يفترض أن يناقش معنى الرقم إلى جدل حول أي رقم هو الصحيح، وينتهي بتشكيل لجنة لتوحيد الأرقام، ترفع تقريرا، يذهب بدوره إلى المقبرة. المشكلة هنا ليست غياب البيانات بل غياب مصدر واحد للحقيقة: تعريف موحد، وجهة واحدة مسؤولة عن كل رقم، ونظام يغذي الجميع من بئر واحدة.

دائرة الإهمال المغلقة
وهناك قانون صامت يحكم جودة البيانات: الموظف الذي يدخل البيانات يعرف تماما إن كان أحد سيقرؤها أم لا. فإذا كان يعرف أن لا أحد يدقق، أدخل على عجل، وقدر الأرقام تقديرا، وأجل الإدخال إلى آخر الشهر ثم ملأه من الذاكرة.
فتخرج التقارير أنيقة الشكل هشة المضمون، فيلمس المدراء بخبرتهم أن الأرقام لا تطابق الواقع، فيتوقفون عن الاعتماد عليها ويعودون إلى الانطباع، فيتأكد الموظف أن لا أحد يقرأ، فيزداد إهمالا. دائرة مغلقة كاملة الإحكام، لا يكسرها شراء نظام جديد، بل قرار واحد: أن يبنى على البيانات قرار حقيقي، معلن، يراه الجميع. يومها فقط يفهم من يدخل الأرقام أن لعمله قارئا، والرقم الذي له قارئ يكتب بعناية.

كيف تعرف المؤسسة الحية؟
المؤسسة التي تدار بالبيانات فعلا لا تعرف من ضخامة تقاريرها، بل من سؤال واحد تسأله عن كل رقم تجمعه: ما القرار الذي سيتغير إذا تغير هذا الرقم؟
فإن كان للرقم جواب، فهو مؤشر حي يستحق مكانه على شاشة تحدث يوميا ويراها صاحب القرار. وإن لم يكن له جواب، فجمعه عبء محض: جهد في إدخاله، وورق في طباعته، ووهم في الاطمئنان إليه. المؤسسات الناضجة رقميا ليست التي تجمع أكثر، بل التي تجرأت على جمع أقل وقراءة ما تجمعه بصدق. لوحة مؤشرات واحدة صادقة، فيها عشرة أرقام لكل رقم مالك ومعنى، أنفع من ألف تقرير مجلد بغلاف فاخر.

القبر الذي يحوي كنزا

ويبقى أن ننصف المقبرة نفسها، ففيها ما يستحق البحث. سنوات التقارير المتراكمة ليست ورقا ميتا، بل ذاكرة المؤسسة كاملة: مواسم الذروة والركود، وأثر كل قرار سابق، وأنماط لا تظهر إلا حين يوضع عقد كامل من الأرقام جنبا إلى جنب.
وهذه الذاكرة تحديدا هي الوقود الذي تحتاجه أدوات التحليل والتنبؤ التي تتسابق المؤسسات اليوم على اقتنائها. فالمؤسسة التي تريد أن تسأل الذكاء الاصطناعي عن مستقبلها سيسألها هو أولا عن ماضيها، ولن تجد الجواب إلا هناك، في الغرفة المغلقة. رقمنة الأرشيف ليست ترفا توثيقيا، بل استثمار في المادة الخام الوحيدة التي لا يمكن شراؤها من أي مورد: تاريخ المؤسسة نفسها.

arArabic
🚀