من يحمي بياناتك الصحية؟

من يحمي بياناتك الصحية؟

المشهد مألوف لدرجة أننا لم نعد نلاحظه. نتيجة تحليل ترسل صورة في مجموعة واتساب اسمها “نتائج المختبر”، وصورة أشعة محفوظة في الهاتف الشخصي لموظف الاستقبال، وملف مريض كامل ينتقل من جهاز إلى جهاز لأن الطابعة معطلة. من دون أن نقصد، تحول الواتساب عندنا إلى أرشيف طبي غير رسمي، لا يحرسه أحد ولا يحاسب عليه أحد.
والسؤال الذي نتجنبه جميعا: لو وصلت هذه الملفات إلى الشخص الخطأ، من المسؤول؟

لماذا يشتري أحدهم تاريخك المرضي؟

في السوق السوداء، السجل الطبي أغلى من بطاقة الائتمان بأضعاف. والسبب بسيط: البطاقة المسروقة تلغيها بمكالمة واحدة او بكبسة زر من خلال تطبيق البنك، أما تاريخك المرضي فلا يمكن إلغاؤه ولا تغييره. هو أنت.

هذه البيانات تستخدم في الابتزاز، وفي الاحتيال على شركات التأمين، وفي انتحال الشخصية. وفي مجتمعاتنا تحديدا لها ثمن إضافي: تشخيص مسرب قد يكلف صاحبه وظيفة أو خطبة أو سمعة عائلة كاملة. نحن نتعامل مع أخطر أنواع البيانات بأقل درجات الحذر.

التسريب لا يشبه الأفلام

حين نسمع كلمة اختراق نتخيل قراصنة في غرفة مظلمة. الواقع عندنا أقل إثارة وأكثر خطورة: موظف يلتقط صورة للشاشة ليختصر الطريق، جهاز مختبر متصل بالإنترنت بكلمة مرور لم تتغير منذ تركيبه، حاسبة استقبال مفتوحة يستخدمها كل من يمر بجانبها، وأجهزة قديمة تباع في السوق وبداخلها آلاف الملفات لم يحذفها أحد.

الاختراق الكبير يحدث مرة كل بضع سنوات. أما التسريب الصغير فيحدث كل يوم، بلا نية سيئة غالبا، وهذا بالضبط ما يجعله أخطر: لا أحد يعتبره جريمة أصلا.

فراغ يشبه الدعوة المفتوحة

في أمريكا، تسريب ملف طبي واحد قد يكلف المؤسسة غرامات بملايين الدولارات بموجب قانون HIPAA. وفي أوروبا، جعل نظام GDPR حماية البيانات مسألة وجودية لأي مؤسسة صحية. النتيجة ليست أن مستشفياتهم أكثر أخلاقا، بل أن التسريب عندهم مكلف.
عندنا المعادلة معكوسة. لا قانون خاص واضح لحماية البيانات الصحية، ولا جهة رقابية تدقق، ولا غرامة تردع. المستشفى الذي تتسرب منه البيانات لا يخسر شيئا، فلماذا يستثمر في الحماية؟ حين تكون كلفة الإهمال صفرا، يصبح الإهمال سياسة غير معلنة.

ماذا يفترض أن تفعل المؤسسات؟

الحماية ليست جدارا ناريا يشترى مرة وينسى، بل مجموعة عادات يومية.
تشفير للبيانات في التخزين والنقل، وصلاحيات متدرجة بحيث لا يرى موظف الاستقبال ما يراه الطبيب المعالج، وسجل وصول يجيب عن سؤال واحد: من فتح هذا الملف ومتى ولماذا؟ ثم تدريب دوري للكادر، لأن أقوى نظام في العالم يسقط أمام موظف يكتب كلمة المرور على ورقة ملصقة بالشاشة. وأخيرا سياسة صريحة لا استثناء فيها: البيانات الطبية لا تغادر أنظمة المؤسسة إلى الهواتف الشخصية، مهما كانت النية طيبة.

وأنت أيضا حارس

جزء من الحماية بيد المريض نفسه. اسأل مختبرك كيف يرسل النتائج وهل هناك بديل عن المجموعات العامة. لا ترفق تقاريرك الطبية في منشورات التواصل الاجتماعي، فمنشور دعاء بريء مرفق بصورة تحليل يكشف تشخيصك لآلاف الغرباء وإلى الأبد. وحين تستبدل هاتفك أو تبيع حاسوبك، تأكد أن ملفاتك ليست ما زالت بداخله.
هذه ليست وساوس زائدة. هذه النظافة الرقمية نفسها التي نعلمها لأطفالنا عن كلمات المرور، لكن مطبقة على أثمن ما نملك.

الملف ليس ورقة

الملف الطبي ليس مستندا إداريا. هو سيرة جسد إنسان ونفسه: أمراضه وأدويته ولحظات ضعفه التي ائتمن عليها جهة يفترض أنها موضع ثقة. وحمايته ليست ترفا تقنيا تتباهى به المستشفيات في إعلاناتها، بل امتداد مباشر لأقدم عهد في مهنة الطب: لا ضرر ولا ضرار.

التحول الرقمي وعدنا بملف يتنقل معنا بسهولة، وهذا مكسب لا نريد التراجع عنه. لكن السهولة بلا حماية ليست تقدما، بل باب خلفي مفتوح على مصراعيه. والسؤال الذي يجب أن يسبق أي مشروع رقمنة صحية من اليوم فصاعدا ليس “كم سيكلف النظام؟” بل “من يحمي ما سنضعه فيه؟”.

arArabic
🚀