لماذا تفشل مشاريع التحول الرقمي؟
لماذا تفشل مشاريع التحول الرقمي عندنا؟
المشهد يتكرر بنفس التفاصيل تقريبا. حفل إطلاق أنيق، وكلمة حماسية عن “مواكبة العصر”، وصور تذكارية أمام شاشة كبيرة تعرض واجهة النظام الجديد. بعد ستة أشهر تمر بنفس المؤسسة فتجد الموظفين رجعوا للدفاتر، والنظام الذي كلف مئات الملايين تحول إلى أيقونة مهجورة على سطح المكتب، والمعاملات تمشي كما كانت تمشي: ورقة وختم وواسطة تسرع الختم.
السؤال الذي يتهرب منه الجميع: أين ذهبت كل تلك الأموال والوعود؟
الإجابة المريحة أن نلوم التقنية. لكن الحقيقة المزعجة أن التقنية نادرا ما تكون المشكلة. الأنظمة نفسها التي فشلت عندنا تعمل بكفاءة في أماكن أخرى من العالم. الخلل في مكان آخر، وهذه أبرز مواقعه.
١. نشتري نظاما ولا نشتري تغييرا:
الخطأ الأول يقع قبل توقيع العقد. مؤسسات كثيرة تتعامل مع التحول الرقمي كصفقة شراء: ندفع، نستلم، ننتهي. لكن رقمنة إجراءات فوضوية لا تنتج نظاما، تنتج فوضى أسرع. المعاملة التي كانت تحتاج خمسة تواقيع ورقية صارت تحتاج خمسة تواقيع إلكترونية، والمشكلة الأصلية باقية: لماذا خمسة أصلا؟
التحول الحقيقي يبدأ بسؤال محرج: هل إجراءاتنا الحالية تستحق أن ترقمن كما هي، أم تحتاج أن تعاد صياغتها من الصفر؟
٢.حماس يولد في الاجتماع الأول ويموت في الثاني:
المشاريع الناجحة تحتاج راعيا في القمة يحضر ويسأل ويحاسب. الذي يحدث غالبا هو العكس: الإدارة العليا تتحمس عند الإطلاق، ثم تسلم الملف لقسم تكنولوجيا المعلومات وتنشغل بغيره. وقسم التقنية مهما كان كفؤا لا يملك صلاحية إجبار مدير الحسابات على تغيير طريقة عمله.
النتيجة نظام يتيم. الجميع يعرف بوجوده، ولا أحد مسؤول عن نجاحه.
٣.الموظف يرى في النظام تهديدا لا أداة:
هذه النقطة نادرا ما تقال بصراحة. في مؤسساتنا هناك من تأتي أهميته من كونه الوحيد الذي يعرف مكان الملف، والوحيد الذي يحفظ تسلسل الإجراء. النظام الجديد يجعل المعلومة متاحة للجميع، أي أنه يسحب من هذا الموظف مصدر نفوذه. فلا تستغرب حين يقاوم، ويتباطأ، ويردد أن “النظام معقد” وأن “الطريقة القديمة أضمن”.
يضاف إلى ذلك خطيئة شائعة: تشغيل النظام والورق معا “احتياطا”. الإدخال المزدوج يضاعف الجهد بلا فائدة، فيكره الموظف النظام من أسبوعه الأول، ويتحول الفشل إلى نبوءة تحقق نفسها.
٤.نريد كل شيء دفعة واحدة:
خمسة عشر قسما، وعشرون وحدة برمجية، وإطلاق شامل في يوم واحد. تبدو خطة طموحة، لكنها في الواقع وصفة جاهزة للانهيار. كل خلل صغير في قسم يتحول إلى حجة لبقية الأقسام كي ترفض التجربة كلها.
الذين نجحوا فعلوا العكس تماما: بدأوا بقسم واحد متحمس، أصلحوا الأخطاء بهدوء،اصنعوا قصة نجاح داخلية، ثم تركوا بقية الأقسام تطلب النظام بنفسها بدل أن يفرض عليها.
٥. المورد يبيع ثم يختفي:
جزء من المسؤولية يقع على شركات التنفيذ نفسها. بعضها يبيع نظاما مصمما لسوق أخرى ثم يتفاجأ بأن إجراءاتنا وتشريعاتنا ودورة المصادقات عندنا مختلفة. وبعضها يسلم النظام ويختفي، فأول مشكلة تقنية بعد الاستلام تبقى معلقة لأسابيع. التحول الرقمي ليس صفقة تسليم مفتاح، بل علاقة طويلة عنوانها الدعم والتدريب والتطوير المستمر.
٦. لا أحد يقيس شيئا:
آخر الأسباب وأكثرها صمتا: نعلن النجاح في حفل الافتتاح، لا في أرقام الاستخدام. كم معاملة أنجزت عبر النظام هذا الشهر؟ كم انخفض زمن الإجراء؟ كم موظفا يدخل فعليا كل يوم؟ بلا مؤشرات واضحة يعيش المشروع في منطقة رمادية: لا هو ناجح فيبنى عليه، ولا هو فاشل فيصحح مساره.
الخلاصة التي لا نحب سماعها:
مشاريع التحول الرقمي عندنا لا تفشل بسبب الخوادم ولا الأكواد. تفشل لأننا نتعامل معها كمشاريع تقنية وهي في جوهرها مشاريع إدارة وتغيير ثقافة. البرمجيات أسهل جزء في الحكاية، أما الجزء الصعب فهو إقناع إنسان اعتاد طريقة معينة عشرين عاما بأن يغيرها.
الخبر الجيد أن كل سبب من هذه الأسباب قابل للعلاج، والمؤسسات التي اعترفت بها مبكرا هي نفسها التي نراها اليوم تدار بالبيانات لا بالأختام. الاعتراف بأسباب الفشل ليس جلدا للذات، بل أول خطوة عملية في مشروع لا يحتمل أن يفشل مرة أخرى.