التحول الرقمي في الجامعات: لماذا ما زالت أقسام التسجيل تغرق بالورق؟
نحن في أكتوبر، والمشهد يعيد نفسه في كل جامعة: طوابير أمام شباك التسجيل تمتد إلى الممر، طالب مستجد يحمل ملفا بلاستيكيا فيه نسخ مصورة عن كل ورقة أصدرتها الدولة باسمه، وموظف ينادي من خلف الزجاج: ناقصك تأييد. وفي الطابق العلوي، خريج جاء من محافظة أخرى للمرة الثالثة هذا الشهر ليستلم تأييد تخرجه، فوجد أن الموظف المختص في إجازة والختم في درج مقفل.
هذا ليس وصفا من التسعينات. هذا خريف 2026، في مؤسسات تدرس طلبتها الذكاء الاصطناعي وأمن المعلومات وهندسة البرمجيات، ثم تدير شؤونهم بدفاتر وسجلات لم تتغير منذ عقود.
مفارقة لا يلتفت إليها أحد
من المفترض أن تكون الجامعة أسرع مؤسسات المجتمع في تبني المعرفة، فهي التي تنتجها وتدرسها. الواقع معكوس في أغلب الأحيان: المصارف سبقتها، وشركات الاتصالات سبقتها، وحتى بعض الدوائر الحكومية التي نشكو منها صارت أكثر رقمنة من أقسام التسجيل.
وللمفارقة أسبابها. الجامعة كيان معقد الصلاحيات: قسم وعمادة ورئاسة ووزارة، وكل طبقة تريد توقيعها وختمها. والروتين فيها ليس إجراء بل تراث يتوارثه الموظفون جيلا بعد جيل. والأهم أن أحدا لم يحاسب جامعة يوما لأن طالبها وقف في الطابور أربع ساعات.
ماذا تعني الرقمنة في جامعة أصلا؟
الرقمنة ليست موقعا إلكترونيا أنيقا وصفحة نشطة على فيسبوك، فهذه واجهة. الرقمنة الحقيقية تحدث في الغرف الخلفية، وتقوم على أربعة أعمدة.
ملف إلكتروني واحد لكل طالب يرافقه من القبول حتى التخرج: درجاته وغياباته وأقساطه ووثائقه في مكان واحد، لا في خمسة سجلات متناثرة بين ثلاث شعب. وتسجيل إلكتروني للمواد يحسم الجداول والتعارضات بدل الطوابير وجداول تلصق على الجدران. وبوابة للتدريسي يرفع منها الدرجات مباشرة فتصل الطالب بإشعار، ويقدم الاعتراض موثقا برقم وتاريخ بدل عريضة تضيع بين المكاتب. وأخيرا وثائق وتأييدات تصدر برمز استجابة سريع يتيح لأي جهة التحقق منها في ثوان، بدل ختم يمكن تقليده في أي مطبعة.
حكاية الدرجات
إذا أردت أن تفهم حجم المشكلة، راقب رحلة درجة واحدة. التدريسي يصححها على الورقة، ثم ينقلها إلى كشف، والكشف ينسخ إلى سجل الشعبة، والسجل يفرغ في قوائم النتائج، ولجنة تدقيق تجلس أياما تجمع بالآلة الحاسبة وتطابق الأرقام. أربع محطات نقل يدوي، وفي كل محطة فرصة لخطأ بريء يتحول عند الطالب إلى رسوب ظالم أو معدل منقوص، ثم إلى اعتراض وتظلم ولجنة جديدة.
النظام الإلكتروني لا يلغي التصحيح ولا يلغي التدقيق، لكنه يلغي النقل اليدوي، وهو المكان الذي تولد فيه أغلب الأخطاء.
مقاومة من نوع خاص
في الجامعات تأخذ المقاومة طابعا خاصا. موظف الأرشيف الذي يحفظ مكان كل ملف يعرف أن النظام الجديد يجعل خبرته بلا ثمن، فلا تنتظر منه حماسا. وهناك جبل البيانات التاريخية: عقود من الملفات الورقية لخريجين ما زالوا يراجعون لطلب وثائقهم، فمن يتولى إدخالها؟ الجواب العملي أن لا أحد يدخل كل شيء. تبدأ الجامعة بالطلبة الحاليين، وترقمن القديم عند الطلب، ملفا ملفا، فيذوب الجبل خلال سنوات بدل أن يمنع المشروع من البداية.
وهناك خوف يهمس به الإداريون ولا يكتبونه: التلاعب بالدرجات. والحقيقة معكوسة تماما. الورقة تبدل والسجل يشطب ولا أحد يعلم، أما النظام المحترم فيحتفظ بسجل تدقيق يذكر من عدل الدرجة ومتى ومن أي حساب. الرقمنة لا تسهل التلاعب، بل تجعله يترك بصمة.
الوزارة تريد ورقا
هذه الحجة الجاهزة في كل اجتماع: مهما رقمنا، الوزارة في النهاية تطلب نسخة ورقية مختومة. كلام صحيح جزئيا، لكنه ليس عذرا. الجامعة التي تدير عملياتها رقميا تطبع للوزارة ما تشاء بضغطة زر، أما الجامعة الورقية فلا تستطيع أن تمنح طلبتها تجربة رقمية مهما طلبوا. الورق للمراسلات شيء، والورق كأسلوب عمل شيء آخر.
أما حجة الكلفة، فحسابها بسيط: كم يكلف موظفون يقضون نصف دوامهم في البحث عن ملفات، ولجان تدقيق تعمل أسابيع، وطالب ينقل قيده إلى جامعة منافسة لأن معاملته علقت شهرا؟ الجامعات الأهلية تحديدا تعرف أن الطالب اليوم يقارن قبل أن يسجل، وأن طابور التسجيل صار يظهر في قصص الطلبة على مواقع التواصل قبل أن يظهر في أي تقرير.
ماذا تربح الجامعة فعلا؟
أول المكاسب قرارات مبنية على أرقام لا على انطباعات: كم طالبا متعثرا هذا الفصل؟ أي الأقسام ينزف طلبة؟ أين يتكدس العبء على التدريسيين؟ أسئلة يجيب عنها النظام في دقائق وتعجز عنها الاجتماعات.
وثاني المكاسب وقت التدريسي نفسه. كل ساعة روتين توفرها الأنظمة ترجع إلى التحضير والبحث والطلبة، وهذا هو عمل الجامعة الأصلي. وثالثها السمعة والاعتماد: التصنيفات والاعتمادات الأكاديمية التي تتسابق عليها الجامعات صارت تسأل عن أنظمة المعلومات قبل أن تسأل عن مساحة المكتبة.
الدرس غير المعلن
تبقى المفارقة الكبرى أن الجامعة تربي قبل أن تدرس. الطالب الذي يقضي أربع سنوات يتعلم فيها أن إنجاز أي معاملة يحتاج واسطة وطابورا وثلاث مراجعات، يتخرج وقد حفظ هذا الدرس أعمق من أي مادة في المنهج. والطالب الذي يرى مؤسسته تدار بنظام وشفافية يحمل ذلك معه إلى سوق العمل.
التحول الرقمي في الجامعات ليس ترفا إداريا إذن، بل جزء من المنهج غير المعلن. فالمؤسسة التعليمية تعلم بما تفعله قبل أن تعلم بما تقوله، وأقسام التسجيل الغارقة بالورق تلقي محاضرتها اليومية على الجميع، شاء من شاء وأبى من أبى.