أكبر قاعدة بيانات في العراق اسمها إكسل

أكبر قاعدة بيانات في العراق اسمها إكسل

اسأل أي مؤسسة عندنا: أين تحفظون بياناتكم؟ سيأتيك الجواب الرسمي سريعا: لدينا نظام. لكن تجول قليلا بين المكاتب وانظر إلى الشاشات، وسترى الحقيقة مفتوحة أمامك في كل حاسوب: جداول خضراء الشعار، ملايين الخلايا، ملفات تحمل أسماء مثل رواتب 2026 نهائي معدل، وجرد المخزن نسخة محدثة، وقوائم الطلبة اخر شي.
الحقيقة التي لا يكتبها أحد في التقارير أن القسم الأكبر من البيانات التشغيلية في مؤسساتنا، الحكومية والخاصة على السواء، لا يسكن في أنظمة قواعد البيانات الرصينة، بل في ملفات إكسل موزعة على حواسيب الموظفين. لو جمعت هذه الملفات لوجدت نفسك أمام أكبر قاعدة بيانات في البلد: غير معلنة، وغير محمية، ولا يعرف أحد حدودها.

لننصف الرجل أولا
قبل الهجوم على إكسل، يجب أن نعترف بأنه انتصر بجدارة. هذا البرنامج هزم أنظمة بملايين الدولارات في معركة غير متكافئة أصلا، لأن أسلحته لا تقاوم: مجاني بحكم الواقع، وجاهز بنقرتين، ولا يحتاج موافقة لجنة ولا قسم تقنية ولا دورة تدريبية. الموظف الذي يحتاج جدولا الآن لن ينتظر نظاما يصل بعد سنة، فيفتح إكسل ويبدأ، وهذا سلوك عقلاني تماما لا يستحق اللوم.

بل إن إكسل في يد محترف أداة تحليل تحترم: معادلات تختصر ساعات، وجداول محورية تستخرج الخلاصات، ورسوم توضح الاتجاهات. المشكلة ليست في الأداة إطلاقا. المشكلة أننا كلفناها بوظيفة لم تخلق لها: أن تكون الذاكرة الرسمية الوحيدة لمؤسسات كاملة.

ملف اسمه النسخة النهائية المعدلة 3

تبدأ المأساة حين يغادر الملف حاسوب صاحبه. ينسخ إلى فلاش لأجل المدير، ويرسل بالواتساب إلى الزميل، ويعدل كل طرف نسخته بنية حسنة. بعد شهر تجد في المؤسسة خمس نسخ من الملف نفسه، في كل نسخة أرقام مختلفة قليلا، وكلها تحمل كلمة نهائي في الاسم.
ثم يطلب المدير العام رقما واحدا: كم عدد المسجلين هذا الفصل؟ فيعقد اجتماع كامل ليس للإجابة عن السؤال، بل لتحديد أي ملف هو الذي يحمل الجواب. هذه الظاهرة لها اسم محترم في عالم البيانات: غياب مصدر الحقيقة الواحد. وإكسل بطبيعته يصنع هذا الغياب، لأن كل نسخة منه كيان مستقل لا يعرف شيئا عن شقيقاتها.

ما الذي لا يخبرك به الجدول

ولمن لم يتعامل مع قواعد البيانات الحقيقية، هذه هي الفروق الجوهرية التي لا تظهر إلا متأخرة، مكتوبة بلغة البشر لا بلغة المبرمجين.
الجدول لا يمانع في شيء. اكتب رقم هاتف في عمود العمر، واكتب التاريخ مرة بالأرقام ومرة بالحروف، واترك حقل الاسم فارغا: إكسل يبتسم ويقبل. قاعدة البيانات المصممة جيدا ترفض، لأن فيها قواعد تحقق تحرس كل حقل. ولهذا تمتلئ جداولنا بأعمار سالبة وأرقام هواتف ناقصة لا يكتشفها أحد إلا يوم تبنى عليها إحصائية.
والجدول لا يذكر من فعل ماذا. تغير رقم في خلية الرواتب فلا يبقى أي أثر يدل على من غيره ومتى وما القيمة السابقة. قاعدة البيانات الرصينة تحتفظ بسجل تدقيق كامل، وهذا وحده يفصل بين مؤسسة تحاسب وأخرى تخمن.
والجدول لا يعرف العلاقات. اسم المورد نفسه مكتوب في عشرين ورقة عمل، فإذا تغير عنوانه عدلت في مكان ونسيت تسعة عشر. قاعدة البيانات تحفظ المورد مرة واحدة وتشير إليه من كل مكان، فالتعديل الواحد يسري على الكل.
والجدول لا يحب الزحام. ملف يفتحه موظف واحد يعمل بسلاسة، فإذا احتاجه عشرون موظفا في وقت واحد بدأت مسرحية النسخ والانتظار والقفل. قواعد البيانات ولدت أصلا لهذا السبب: آلاف المستخدمين على البيانات نفسها في اللحظة نفسها، من دون أن يدوس أحد على عمل أحد.

الملف الذي يفهمه موظف واحد
وتبقى أخطر صفحات الحكاية: في كل مؤسسة ملف أسطوري، غالبا ملف الرواتب أو الحسابات، بناه موظف مجتهد عبر سنين، وحشاه بمعادلات متشابكة لا يفهم خريطتها سواه. المؤسسة كلها تقف على هذا الملف، والملف كله يقف على ذاكرة رجل واحد.
يوم يتقاعد هذا الموظف أو ينتقل أو يتعطل حاسوبه الذي لم ينسخ احتياطيا منذ تنصيبه، تفقد المؤسسة ذاكرتها المالية في ساعة واحدة. ليس لأن أحدا أخطأ، بل لأن بنية العمل كلها كانت تقف على ساق واحدة. المبرمجون يسمون هذا عامل الحافلة: كم شخصا لو صدمتهم حافلة توقفت المؤسسة؟ في مؤسسات كثيرة عندنا، الجواب: شخص واحد وملف واحد.

متى يكفيك إكسل فعلا؟
الإنصاف يقتضي أن نرسم الحدود بوضوح لا أن نحرم الأداة. إكسل خيار ممتاز حين تعمل وحدك على تحليل أو مسودة، وحين تكون القائمة صغيرة ومؤقتة، وحين تريد تجربة فكرة قبل بناء نظام. وهو خيار خاطئ حين يتجاوز الأمر ذلك: أكثر من شخص يعدل البيانات نفسها، أو أموال وقرارات تبنى على الملف، أو تاريخ يجب أن يحفظ ويسترجع، أو حجم يكبر كل شهر.

القاعدة التي تختصر المقال: إكسل نافذة تطل منها على بياناتك، لا بيت تسكنه البيانات. التحليل في الجدول، والحفظ في قاعدة بيانات لها حارس.
الانتقال لا يعني الطلاق
وهنا نطمئن الخائفين، فأكثر ما يعطل الانتقال خوف الموظفين من فقدان أداتهم الأليفة. الأنظمة المحترمة لا تصادر إكسل، بل تصالحه: البيانات تعيش في قاعدة محمية لها نسخ احتياطي وصلاحيات وسجل تدقيق، والموظف يصدر منها إلى إكسل متى شاء ليحلل ويرسم كما اعتاد. الفرق الوحيد أن الجدول صار صورة من الحقيقة، لا الحقيقة ذاتها.
والبداية العملية لا تحتاج مشروعا عملاقا: احصر الملفات التي تقف عليها المؤسسة فعلا، وغالبا هي ثلاثة أو أربعة لا أكثر، وانقلها واحدا واحدا، وابدأ بالملف الذي لو ضاع غدا لتوقف العمل. ستعرفه فورا: هو الملف الذي خطر في بالك وأنت تقرأ هذه السطور.

en_USEnglish
🚀